أَوْجُهُ البَيَانْ فِي كَلَامِ الرَّحْمَنْ (الفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْوَفَاة)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أَوْجُهُ البَيَانْ فِي كَلَامِ الرَّحْمَنْ (الفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْوَفَاة)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته




    أَوْجُهُ البَيَانْ فِي كَلَامِ الرَّحْمَنْ (الفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْوَفَاة)




    في هذا المقال ابدأ مستعيناً بالله تعالى في تلمس أوجه الاختلاف بين مفردتي (الموت) و (الوفاة) بما لا يعارض أو يناقض النص القرآني ويتفق مع مواضع المفردتين في القرآن الكريم وسأبدأ بتعريف المفردتين ثم اعرض التعريف على آيات القرآن لتلمس اتساق المفردة مع المعنى:

    المَوْت : انْتِزَاعُ رُوْحُ الْكَائِنِ الْحَيِّ مِنْ جَسَدِهْ فَيَتَوَقَّفُ الدَّمُ عَنِ الجَرَيانِ فِيْ أعْضَائِهِ،ويَجُوْزُ حَتْماً عَلَى كُلِّ حَيِّ بَشَراً كَانَ أوْ سِوَاهْ.

    الوَفَاةْ : تَوَقُّفُ جَرَيَانِ الْقَلَمِ وَ انْقِطَاعُ عَمَلِ العَبْد العَاقِلِ الْمُكَلَّفِ وَوَفاءَهُ وَتَمَاَمه، وَجَزَاءُ أجْرِهِ مِنَ الله واسْتِيْفَاءهِ .

    وكل كائن حي تجري فيه الروح من البشر والدواب والشجر يموت وتبلى أعضاؤه ، ولكن لا تطلق الوفاة إلا على المكلفين من الخلق ولم يعرف إطلاقها إلا على البشر ، فلا تطلق مفردة "الوفاة" على الحيوان لأنه لا يجري عليه القلم ، ولا تطلق مفردة الوفاة على النبات ، والإحياء هو نفخُ الروح في الجسد.

    وكل مُتَوَفَّى لا يشترط أن يكون ميِّتاً ولكنَّ كل ميِّتٍ هُوَ بالضرورة مُتوفّى بمعنى أن الله جل وعلا استوفى عمله وأوقف القلم عن الجريان بحسناته وسيئاته ، وكل من توقف القلم عن الجريان عليه بعمله فهو في حكم " المتوفَّى" ، فإن عاد إليه وَعْيهُ وتَمَلّكَ إرادته وتمييزهُ عاد إليه القلم يجري بعمله ويدون خيره وشره، ومن يفقد عقله بعد البلوغ فقد استوفى الله عمله وأوقف القلم عن الجريان بسيئاته وحسناته فإن كُتِبَ أن يفيق فيعود إليه عقله عاد القلم ليجري بتدوين عمله.
    ومن خلال الآيات الكريمة فالنفس شيء والروح شيء آخر ، فخروج الروح من الجسد هو الموت لتوقف القلب وبرودة الجسد وفساد أعضاءه ، ولكن خروج النفس ليس موتاً بل وفاة واستيفاء للعمل وتوقفٌ عن حساب الأعمال ماعدا تلك المعلقة التي لم يكملها حال حياته فتستوفى ما علق لها من عمل حسن أو سيء فيعطى أجر عمله وافيا كاملا غير منقوص. فالموت للجسد والوفاة للنفس.
    ولعلنا نجد أن الروح مرتبطة بالجسد الدنيوي نفخت فيه لتحيي أعضاءه وتبث الحياة فيها ولكن النفس موجودة منذ خلق الله آدم فالأنفس موجودة قبل نفخ الروح فيقول ربنا جلت قدرته :
    { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ } [الأعراف:172]
    فيتبين لنا هنا بأن النفس هي الإنسان بذاته المتنقلة من جرم لجرم ومن شكل لشكل ولكنها ليست الروح وتبين لنا من آيات الكتاب الحكيم بأن الروح يرسلها الله جلت قدرته لتنفخ في الجسد الدنيوي فتبعث فيه الحركة والحياة فإذا أمسك الله نفسه حال الموت أستخرج الله روحه لتفارق جسده بينما نفسه سبقت روحه عند ربها مستوفية عملها إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، فالجسد بروحه التي تبث الحياة فيه إنما هي طور من أطوار الإنسان سبقته أطوار وتتلوه أطوار أخرى فالجسد بالٍ والروح عائدة والنفس باقية تتنقل من شكل إلى شكل.

    يقول جل من قائل:
    الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)

    فالروح وجدت بعد النفس وتنفخ في الجسد الدنيوي لتبعث فيه الحرارة والحركة والحياة وتنزع من الجسد الدنيوي ليؤول إلى الموت.

    النَّومُ وَالوَفَاةْ


    ولعل أهم آي الذكر الحكيم التي تشرح لنا طبيعة الموت والوفاة وعلاقتها بالنوم هي في سورة الزمر إذ يقول ربنا جلت قدرته:
    { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الزمر:42]

    فيخبرنا ربنا بجلاء عن الفرق بين الموت والوفاة وببيان عظيم وعجيب فيقول سبحانه (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) أي أن الله جل وعلا يستوفي عمل الأنفس ويوقف جريان القلم عليها عندما يقع عليها الموت وتفارقان النفس والروح الجسد ، (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) ويتوفى أيضاً تلك الأنفس التي لم تمت – تستوفى أعمالها – في منامها فيوقف جريان القلم عليها ويوفي مالها وما عليها من سيئات وحسنات ، (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ) أي يستبقي نفس الميّتِ فتفارق عندها روحه جسده تماماً ويتوقف جريان الدم في أعضاءه وتصبحُ وَفَاته لعمله نهائية وينقطع عمله ويتوقف تكليفه حتى قيام الساعة (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى) وأما تلك النفس التي توفيت "نوما" وأرسل الله نفسه بمعنى أطلقها ولم يستبقيها فإنه يفيق من نومه وروحه لازالت في جسده أصلاً لم تغادرها فيعود القلم ليجري عليه بما يفعل ويعود عمله ليدون ويسجل وهكذا حتى يمسك الله نفسه في النوم أو يقبضها على أي حال أراد جلت قدرته (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فنحن مأمورون بتدبر هذه الدورة العجيبة والحالة الرهيبة لنعتبر وننظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يعامل عباده بالعدل والقسط فيوقف القلم عن الجريان بالأعمال إن مات الإنسان أو نام فصار لا يملك ارتكاب سوء أو فعل خير.
    { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الأنعام:60]

    فالله يرفع القلم حال النوم ويوفي إلى الخلق أجورهم ويستوفي أعمالهم ، فإذا جاء النهار وانتبه من النوم عادت جوارح الإنسان يسجل عليها ما تفعل وتكتسب ما تستحق وما كتب الله لها وهكذا حتى يقضى الله أجل الوفاة النهائية بالموت ونزع الروح من الجسد.

    نماذج من ذكر الموت والوفاة في الذكر الحكيم


    ونستعرض بعض الآيات القرآنية التي تذكر الموت والوفاة وكيف أن المعنى يتسق مع ما ذكرنا أو يخالفه لنتلمس أوجه المعاني المختلفة ونفهمها ونتدبرها كما أُمرنا لعل الله يفتح علينا جميعاً بعلم من علمه انه هو العليم الحكيم.
    { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [البقرة:281]

    فالوفاء والاستيفاء هنا هو إتمام الثواب والجزاء لنفس الإنسان وما كسبه من خير أو اكتسبه من إثم بلا نقص أو تغيير ، وإذا أرجع الإنسان إلى الله بإمساك نفسه وبموته ونزع روحه من جسده فقد (توفي) بالمعنى الذي نتحدث عنه.
    { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [آل عمران:25]

    وهذه صورة مشابهة للاستيفاء والوفاء بالعمل وما كسبته الأنفس وهنا نكرر أن الوفاة والاستيفاء ارتبطت بالأنفس ولم يرد لها ارتباط بالروح لاختلاف الروح عن النفس.
    { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [آل عمران:161]

    وهنا يرتبط الوفاء والاستيفاء أيضاً بالنفس وبالحساب فالله يحاسب الأنفس بما توفيت عليه من عمل بلا زيادة ولا نقصان ، فلا يظلم الله نفساً فيخرج من سجلها عملاً أفضت إليه حال حياتها ولا يحملها وزر عمل تم بعد موتها ووفاتها.
    { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [النحل:111]

    فارتباط الأنفس بالوفاء والاستيفاء والعمل مشهور ومذكور في مواضع عديدة من كتاب الله وإذا ما تتبعنا واستقرأنا الآيات الكريمة بهذه الصورة فهذا يجلي الفهم عن كنه النفس والعمل والكسب والوفاة والاستيفاء ويحقق الترابط المعنوي الذي يثبت صحة التعريف مقارنة بالسياقات المذكورة.
    ولم يشتهر أن ارتبطت الروح بالوفاة والاستيفاء كما ذكرنا ، ولم ترتبط الروح بالعمل والكسب في الدنيا بل كان ارتباط النفس في المواضع التي سبق ذكرها.
    يقول تعالى :
    { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } [النساء:15]

    أي يتوقف القلم عن الجريان عليهن ويستوفين كسبهن في الدنيا بفعل الموت ، ليس نوماً ولا رفعاً وهذا دليل على أن الوفاة غير الموت فاعل تخرج به الروح من الجسد وبالتالي تحدث الوفاة والاستيفاء بالمفهوم الذي أسلفنا عن الوفاة فيقول جل جلاله (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فيستوفي الله عملهن ويوفيهن حسابهن.


    وفاة المسيح عليه السلام ورفعه

    هذا المفهوم يلقي الضوء على مفهوم وفاة المسيح عليه السلام ورفعه ويجلو التضارب والغموض في فهم البعض حول مفهوم نفي القتل في القرآن من جهة (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ) وبين قوله تعالى لعبده عيسى عليه السلام (يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) من جهة أخرى ولنتتبع هاتين الآيتين على ضوء ما توصلنا إليه من مفهوم للوفاة:
    قال الحق جل شأنه:
    { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [آل عمران:55]

    أي أن الله يخبر عبده عيسى أنه سيستوفي عمله ويوقف التكليف الدنيوي عليه فلا يجري عليه القلم ولا يحاسب برفعه هذا على ما أسنده الله إليه من رسالة ومهمة ولا ما أوجبه الله عليه قبل هذه الوفاة من عبادات وما حرمه عليه من محرمات ويتوقف كسبه الدنيوي بوفاته واستيفاء الله لعمله واستيفاء عيسى عليه السلام لأجره.
    وهذه الوفاة لا تلزم الموت أبداً كما قد أسلفنا فروحه تظل في جسده ودمه يجري في جسده ، وهي حالة من حالات توقف القلم عن الجريان بعمل ابن آدم وكسبه فإذا أراد جل وعلا وأنزله كما أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم ، فيكون بذلك قد خرج من حالة الوفاة وعاد القلم ليجري عليه حتى موته واستيفاء عمله وإيفاءه لأجره نهائياً .
    وعندما يبعث الله الأمم ويوقف أنبيائهم ، وشهدائهم فإنه يستجوب عبده امام الأشهاد ليقيم الحجة بالحق والعدل فيقول جل جلاله:
    وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)
    أي بلغتهم ما أمرتني بإبلاغه ولم آت من عند نفسي بشيء وكنتُ مكلفاً بدعوتهم والشهادة عليهم ومراقبة استجابتهم للدعوة فلما أوقفت التكليف عني واستوفيت عملي وأوفيتني أجري وكسبي كنت بذلك أنت الرقيب عليهم ولم أعد مكلفاً بالرسالة وتبليغ أمرك ونهيك وأنت على كل شيء شهيد.
    وهذا المفهوم السليم يرد على أولئك الذين ضلوا من المسلمين وتخبطوا في فهم رفع المسيح ونفي موته واثبات وفاته بمعنى وقوف جريان القلم عليه كما أسلفنا فلما عصي عليهم فهم الوفاة والموت والفرق بينهم ادعوا موته ونفوا أنه حي وأنه سينزل وادعوا أن المقصود (بالرفع) هو رفع درجته وقدره عند الله ، وهذا قول فاسد باطل فعيسى في رفعة من قبل ولادته ودرجته عالية عند ربه منذ أجرى الله المعجزات بحمل مريم به وبتكليمه للناس في المهد وحتى نجاته من اليهود ، ولكن عدم تمكنهم من فهم الفرق بين الموت والوفاة شطح بهم ليعتقدوا أن عيسى مات وفارقت روحه جسده وهذا خطأ كبير.
    وهاهو الله جل وعلا يقول:
    وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)

    فهم في الأصل عندما قتلوا رجلا وعلقوه على الصليب لم يكونوا متيقنين من أنه عيسى بل داخلهم الشك في هويته ، والقتل هو الموت بفعل خارجي وعندما ينفي الله الموت عن عبده ونبيه عيسى عليه السلام فيبنغي أن تكون الوفاة أمر غير الموت.
    ثم أنه جل وعلا يخبرنا بأن أهل الكتاب سيؤمنون بعيسى عليه السلام (قبل موته) ثم أنه يكون شهيداً على أهل الكتاب يوم القيامة ، مما يثبت وفاته ولكن لا يثبت موته بل يثبت أنه لم يمت لأن علامة موته أن يسبق ذلك الموت إيمان أهل الكتاب به كنبي مرسل من عند الله فيؤمن اليهود به مسيحاً والنصارى يؤمنون به نبياً.
    وهذه من أعظم ثمرات هذا البحث بالرد على كل من أنكر عقيدة الرفع والرجعة لعيسى عليه السلام فنحمد الله جل حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.

    والله وأعلم

يعمل...
X